مقالات مجلة السياحة العربية CMT

أشياء كثيرة تتغير و أشياء قليلة جدا هي التي تبقى..
أشياء كثيرة نقبض عليها كفوفنا ونظن أننا بالعمر نستبقيها وفي لحظه نعلم أنها لا تستحق من العمر لحظة ...
من الأشياء القليلة الباقية هي إيماني أن
الخطوه الأولى في كل رحلة هي أصعب الخطوات و أكثرها بقاء في الذاكرة
أنت لا تنسى أبدا أول قبلة و أول حب و أول نقود
وضعت في يدك أو أول فراق حتى وإن زهدتهم جميعا....
اليوم هو لقائي الأول بكم وهو أيضا عددنا الأول ولهذا أراه الأصعب والأبقى على الإطلاق
عن ماذا نتحدث في اللقاء الأول وماذا ترانا نقول ؟؟

هو شيء صعب و كبير لكن اسمحو لي أن أقول أني بهذا اللقاء وبالعمل مع الفريق الرائع الذي جمعني ببعض أفراده مواقف وذكريات عديدة سعيدة فهم جميعهم من قلوبهم يعملون ...
و أجمل الأعمال هي تلك التي من القلب تأتينا ..
لكن هل تراه أحدنا فكر ماذا نهدي القلب إن
اشتاق هو إلى هدية و بما نداويه إن أرهقته تجارب رحلة الحياة....
إن تعب قلبك لا شيء حقاً يداويه سوى الحب و السفر..
ولأن الحب يأتينا وقت هو يشاء فلا يبقى ملك أيدينا إلا السفر ...
في كل مرة سأحاول أن أحدثكم عن رحلة تهديها إلى قلبك ليهديك هو بدوره ابتسامة وأمل ...
في كل مرة سأقص قصة رحله عدتُ منها كما لم أذهب وبقيت في ذاكرتي عالقة كما يبقى الحب الأول واللقاء الأول....
ولا أجمل من رحلتي إلى "المدينة المنورة" بعد غياب طال أكثر من عشرين عاما حين كانت أمي تمسك بكفي الصغير وتقول:
" فلنذهب إلى المدينة "
عشرون عاما وأنا أكتفي بزيارة المسجد الحرام
كلما زرت وطني ولقاء الكعبه لقاء هو الآخر لقاء عظيم...
في ذلك اليوم وبعد غياب العشرين عام وبعد أن كبرت و أثقلتني الأيام بدروسها وأحمالها تذكرت أمي رحمها الله ..
تذكرت وجهها الجميل وهي تعد حقيبتنا الصغيرة و تعلن أن الأوان قد جاء لزيارة "المدينة" ...
كنت طفلة بلا هموم ...
ومن ذا يحمل هما إن كان له أم تمسك بيده !!
في أوقات كثيرة كنت أسألها لماذا نذهب إلى المدينة و بيت الله الحرام على بعد خطوات من بيتنا العتيق في مكة آنذاك و كانت دوما تضمني وهي تقول " يوما تعرفين "!!!
كنا دوما نعود محملين بالتمرات و أوراق الورد والحبق والريحان حتى أني لطفولتي ظننت أننا نذهب فقط لنعود محملين بهم !
في اللحظه التي دخلت فيها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وحدي رأيت طيف أمي
تمسك بيدي و تخطو نحو الروضه..
جلست فيها في سكون و شعرت أن كل قطعة من جسدي تهدأ وترتخي..
نسيت كل شئ ظننت أني يوما لن أنساه..
شعرت بدمعاتي تهرب من عيني دون خوف أو خجل ...
للمرة الأولى في عمري شعرت أني أغتسل من أحزان لم أردها و أتحرر من مخاوف ما ظننتها يوما تسكنني !!
كل شيء في روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدأ ..
شعرت أني غفرت لكل من جرحوني.. وتداويت من ذنب كل من جرحتهم أنا يوما !!
لذلك المكان نسائم لا تعلم من أين تهب عليك لكن أشُهد الله أن الروح المتصدعة فيها تغتسل ..
هي دقائق تلك التي قضيتها لكن علمت ما كانت أمي تعنيه من إصرارها على شد الرحال إلى مسجد الرسول من آن إلى آخر ...
أيها المتعب الخائف احزم حقائبك وتوجه إليه ..
ادخل ذاك المكان الذي لا ترد ذراعيه أحد و قل
" يارب "..
حتى الدعاء هناك له طعم آخر ..
في المطار و في طريق عودتي بحثت عن زهور المدينة بلونها الوردي ووجدت ذات أوراق الحبق و الريحان القديمة و علمت لما كانت أمي دوما تشتريها ...
أنت من رحلتك إليه تعود هائما كأنك للتو ولدت وما عسى الصغار سوى الأزهار في طريق عودتهم يحملون !!!
إلى كل متعب و نحن جميعا متعبون
اذهبوا إلى مسجد الرسول .. اغتسلوا من عذاباتكم في جنباته..
صلوا عليه ولا تنسوني من دعائكم...
عودوا محملين بالزهر و أوراق النعناع فكل شئ من أرض طيبة له رائحة تختلف ...
صدقوني
لهذه الرحلة روح و رائحة تختلف ..
و ستعلمون !!!
نور عبد المجيد