مقالات مجلة السياحة العربية CMT

أنبوب الحديد !!
هل أبوح لكم بأحد أسراري القديمة؟؟
كنت زمناً أكره الطائرات ...
في كل مرة كانت الظروف تضطرني فيها للسفر و أقف على سلالم الطائرة كنت أنظر بطرف عيني إلى بابها الصغير و عجلاتها الصغيرة و أشعر بالخوف و الغباء...
كنت دوما أسأل كيف أضع نفسي في هذا الأنبوب الحديدي وأتركهم يغلقون الأبواب ..
كيف أحيا ساعات مع بشر من كل طعم و لون وأنا أجهل ما قد يفعله أحدهم في لحظة أو يقول !!
أسئلة كثيرة تدق رأسي في كل مرة تطير فيها الطائرة وأنا أسيرة أحد مقاعدها...
ماذا لو أردت الخروج ؟
ماذا لو تذكرت أني لم أسقي أصيص الزهر على شرفتي؟
و ماذا لو قرر الحظ أاو الحب زيارتي في هذه اللحظة ووجدوا الباب مغلقا ؟؟


لم تكن أبدا " فوبيا" طيران بل كنت أراها دوما لحظات فريدة أستكين فيها على مقعدي و أغمض عيني و أفكر ..
نحن جميعا أضعف من قطعة الحديد هذه ...
نحن قبل دخولنا إليها نحزم الحقائب و نستخرج التأشيرات و ندق الأرض بأقدامنا في قوة نحو المطارات ولكن بداخل الطائرة نحن لا نملك لأنفسنا شئ حتى قرار صغير بفتح النافذة المجاورة !!!
في كل مرة كانت الطائرة تضمني كان هذا الحوار المرير يرقص في رأسي !!
في كل مرة كنت أبتسم وأقول :
ماذا لو تخوفت من الفشل ولم أكتب روايتي الأولى !!
ماذا لو تخوفت من ألم الحمل والوضع ولم أنجب إبنتي توأم روحي و سكر أيامي !!!
ماذا سوى الطائرة كان بإمكانه أن يأخذني إلى وداع أمي قبل رحيلها !!
وماذا..
ماذا لو كان الحب والحظ ينتظران أن تفتح بي الطائرة بابها على تلك الأرض البعيدة!!
خلصت إلى نتيجة كبيرة وهي أن الطائرة كالدواء قد يبتلعه أحدنا مغلفا بالسكر و قد يجده الآخر مرا كالصبار لكن لا طريق سواه للوصول إلى ما تشتهيه روحك من أمان و راحة !!
الزهره الرائعه التي تضمها إلى صدرك كانت يوما نبتة صغيرة تنحني أنت عليها طويلا تحت الشمس الحارقة !!
بل إن قطعة الحلوى التي تذوب بين شفتيك ماكانت لتسقط بينهما إن لم تبحث كثيرا و تتخلى عن وقت وجهد ومال لتستمتع بها لك وحدك !!
بعد أعوام طويله من كراهيتي لأنبوب الحديد المسمى بالطائرة أدركت أن من الخطأ أن تنظر إلى اللحظة..
اللحظة دوما قصيرة وإن طالت ..
انظر إلى ما بعد اللحظة وما بعد الآن..
بعد خروجي من أنبوب الحديد هناك أحباب طال شوقي لهم ..
هناك خبرات جميلة تنتظر أن تكسو رأسي و روحي و تجعلهم أكثر صفاء ..
هناك هدايا أعود بها إلى من أحب و ترسم على شفاههم ابتسامه تنير دربي و قلبي زمنا ..
عندما تمرض لا تحزن ..
من الألم والوجع ستخرج أكثر إقبالا على الحياة..
أكثر امتنانا لنعمة العافية..
عندما يهجرك من تحب لا تتألم ..
بعد لحظات الفراق و بكاء الشوق و الحنين تصبح أكثر نقاء و ذكاء و تتعلم كيف تستبقي حبك
القادم بين يديك...
خلف كل لحظة لا تحبها هناك لحظات كثيره آتية أجمل و أرحب..
أنبوب الحديد لا يغلق أبوابه طويلا !!!
خلف كل رحلة طويلة شاقة هناك باب صغير تعبر منه إلى أرض خضراء واسعة إن لم تجد عليها الحب والحظ ثق أنك تعود منها محملا بالذكريات و الصور !!
الحياة بأكملها أصبحت عندي رحلة في أنبوب حديدي مغلق..
لا أعرف ماذا سيدور فيه..
لا أعلم ماذا إن كان سيكمل عمره الافتراضي أو يسقط بي في هبوط اضطراري...
لا اعرف ماذا سيصنع بي رفقاء الرحلة ؟
قد نصبح أصدقاء وقد نمضي ونحن غرباء رغم التصاقي بهم ..
قد يحدث كل شيء و قد لا يحدث أي شيء
على الإطلاق !!
دوما ضع في رأسك وقلبك ذاك الإيمان الكبير...
الطائرة التي تحملك إن تحملتها قد تفتح بابها بعد صبرك عليها على شيء رائع يشبه
"الجنة "!!!