مقالات مجلة السياحة العربية CMT

علمتني رحلة الأيام ان لا شيء أبدا يبقى على حاله...
لا شيء وإن ظننا نحن أن تغيره في قلوبنا وعقولنا هو المستحيل الرابع ...
أذكر أني سافرت إلى اسطنبول وأنا في العشرين من عمري لأقيم لدى أحد صديقاتي المقربات والتي تحيا في تركيا...
كان من المقرر أن أبقى معها عشرة أيام لكن بعد أيام خمس كنت أحادث خطوط الطيران و أبكي عندما أخبروني بصعوبة تغيير الحجز لعدم وجود أماكن خاوية ...
حادثت والدي وبسذاجة الشباب أخبرته أني أريد العودة لأني اشتقت إليه ..
لم يقل حرفا بل أغلق سماعة الهاتف وحادثني بعدها بساعات يخبرني أنه وجد لي مكان على طائرة الفجر فهل أوافق على السفر فجرا؟


في لهفة أخبرته أني سأتوجه إلى المطار فور إغلاق الهاتف !!!
في مطار جدة وحين رأيته ارتميت على صدره أبكى و أقول :
أخطأت أنا اختيار البلد !!
لكنه رحمه الله بحكمة الأعوام وحنان الأب قال :
"بل أخطأت اختيار الرفقة" ..
وأصبحت صديقتي تلك و تركيا بأكملها بلد محرم علي زيارته حتى سافرت إلى باريس بعد عامين من زيارة اسطنبول تلك وكرهتها هي الأخرى حين فقدت حقيبتي و شهدت مطاردة من مخمور أحمق على مرأى ومسمع من المارة الذين لم يحاول أحدهم الإمساك به ...
انضمت فرنسا إلى تركيا في قائمة الدول المحرم دخولها أو حتى الحديث عنها ..
كانت الدهشة تأكلني إن ذهب أحدهم إلى إحداها وعاد يحكي عن جمالها أو سعادته بزيارتها ..
عشرون عاما مرت وأنا أرى كل منهما أرض الأشباح و الظلام حتى عامين مضت ...
كبرت ابنتي وأصبحت في السادسة عشر و ألحت في طلب زيارة باريس...
أخبرتها أنها بلد مظلم عكس ما يقولون عنه و إن سكانها قساة لا يبالون بأحد...
و إنها وأنهم الكثير ..
في نهاية الأمر اتفقنا أن نقضي فيها ثلاثة أيام فقط على أن نقضي باقي أيام رحلتنا في جينيڤ ..

ومنذ اللحظه التي غادرت فيها القطار وهبطت إلى أرض باريس رأيت كل شيء يرقص !!!
ألقينا حقائبنا في غرفة الفندق وخرجنا إلى الشانزليزيه...
التقطنا الصور تحت البرج الشهير وحين انتهينا إلى أحد المطاعم الصغيرة وجدتني أضحك في سعادة لا حدود لها و ضحكت رفيقتي وقالت :
ليست بالسوء الذي اخبرتني عنه ونظرت إليها في دهشة وقلت :
"لم تكن أبدا بهذا الجمال من قبل"!!
عدنا إلى چينيڤ وأنا أتمنى أن يكتب الله لي زيارة أخرى أطول إلى باريس ...
في العام الماضي اضطررت إلى الذهاب إلى اسطنبول كنت على ثقه أنني لن أطيق البقاء فيها أكثر من ثلاث ليال لكن ما إن غادرت بوابة المطار حتى علمت أني لن أمانع و إن قضيت بها العمر بأكمله ...

باقات الزنبق المنتشرة في الطرقات العامة ..
المسجد الأزرق ومساحاته الجميلة المشمسة..
بحر مرمره ...
ساحة تقسيم والمحال الصغيرة.. المقاهي الجميلة المنتشرة على الطرقات..
البازار القديم الذي قضيت فيه ساعات لا أريدها أن تنتهي ..
حزني وأنا أغلق حقيبتي وأتجه إلى المطار..
كيف كنت أرى اسطنبول سوداء مظلمة وهي جميلة مشرقة ...
لا تبالغ في حبك أو كرهك لمكان أو شخص ..
البلد الذي تراه اليوم جنة الله على أرضه قد يكون وحده هو الجحيم في الغد !!!
لا تبالغ في كرهك لشخص ...
عدو اليوم قد يصبح وحده حبيب الغد و صديق العمر ...
إن كرهت لا تعلن كراهيتك اكتفي بالانسحاب و الصمت ..
إن أحببت أظهر حبك لكن لا ترتمي على أعتاب ما أحببت..
احفظ لنفسك دوما خط عودة تحتفظ به بكبريائك..
يا صديقي:
لا كره يبقى متأججا ..
و أيضاً لا حب ..
لا حب أبدا في عينيك أو قلبك يبقى كما هو سوى حبك لأبنائك !!!