حوارات صحفية

مفتي مصر:
لم يرد في القرآن أنّ حواء أخرجت آدم من الجنة!
لا طاعة لزوج لا ينفق
سر اقتران اسم المفتى بالإعدام
د. علي جمعة محمد عبدالوهاب، ولد في بني سويف بصعيد مصر في 3 مارس 1952، وحصل علي درجة الدكتوراة من كلية الشريعة والقانون في أصول الفقه من جامعة الأزهر الشريف، هذا ما تشير إليه الأوراق الرسمية الخاصة بالدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، ولكن عندما توجهت نحو الدور الثاني بمني دار الافتاء كنت أعلم أنني في طريقي إلي رجل يحبه الجميع، وقفز إلي رأسي ألف سؤال غير كل ما أعددت، وسألت: هل يتسع وقت هذا الرجل لكل هذا، وعندما خطوت أولي خطواتي داخل مكتب فضيلته وعندما رأيت تلك الابتسامة تعلو وجهه علمت أن قلبه يسع أكثر مما أتصور.. وعلمت أيضاً كيف تخلق السماحة والبشاشة حباً لا يغيب.


- حينما أصغي لأحاديثك الدينة اشعر بسماحة الإسلام واتعجب مما آلت إليه أحوال الأسرة المسلمة في هذا الزمن وما أصبح يشوبها من صراع، كيف تفسر ذلك؟
ليست الأسرة وحدها التي تحيا في صراع وشقاء، ولكنه الكون بأكمله.. ولعل مفتاح القضاء علي الصراع هو الرحمة التي خلق الله الكون علي أساسها وأقصد هنا الرحمة بين أفراد الأسرة الواحدة والرحمة بالنبات وكل الكائنات الحية علي هذا الكوكب انطلاقا من قول النبي: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وهي الرحمة التي دعا إليها الرسول الكريم بقوله: «الراحمون يرحمهم الله».
من الرحمة إلي التسلط
- ما ملامح هذه الرحمة كما عرفها الإسلام؟
للرحمة مظاهر عديدة صاغتها مبادئ الإسلام الحنيف ومنها الرحمة بالأطفال، فالأحكام الشرعية تتوقف اكراماً لمرحلة الطفولة، فالرسول عندما رأي الحسين يتدحرج في المسجد ترك خطبته التي يلقيها لينزل من علي المنبر ويمسك به ويحمله قائلاً: «إن من اولادكم وأزواجكم فتنة» وإذا به في موضع آخر عندما يسمع بكاء صبي يقصر الصلاة ويختصر من وقتها لتتمكن أم الطفل من تهدئته.. كل هذه الصور للرحمة بالصغار لم نعد نراها الآن فالكبير اصبح يضرب الصغير في المساجد ويطرده منها لا لشيء إلا للتسلط فقد حل التسلط مكان الرحمة!
ولا يقتصر هذا علي الأطفال فقط، وإنما تمتد الرحمة لتشمل النساء حيث قال النبي: «خياركم خياركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي»، كما أوصانا بالنساء في حجة الوداع، ولكن اليوم نظرة الرجل إلي المرأة أصبحت نظرة دونية والبعض أخذ يفسر الآيات القرآنية والأحاديث بعيداً عن معناها الحقيقي، ويتشدقون بأن النساء ناقصات عقل ودين، وكأن هذا هو عنوان الإسلام.. مع ان الله تعالي يقول: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً»، إذن فالمرأة والرجل نفس واحدة يكمل كل منهما الآخر، بينهما مساواة كاملة ولكن لا مساواة.. حيث يقفان علي قدم المساواة ليتبادلا الرحمة ويمنحاها لأطفالهما ومن ثم للكون بأكمله حتي تستقيم الأمور.
- إذاً كيف يمكن أن تعود الرحمة مرة أخري إلي قلوب المسلمين؟
علينا أن نبدأ من مرحلة الطفولة التي يبرز دور الأسرة في تشكيلها، وتشاركها في هذا الأمر ثلاث مؤسسات رئيسية أولاها التربية والتعليم والتي تتمثل في المعلم الملتزم والكتاب المفيد الذي يجب أن يتضمن منهجاً بعيداً عن نظام التلقين المباشر والحفظ، بل يجب أن يعتمد علي نظام العمل اليومي بأخلاق الدين وروحه حتي ننشيء أجيالاً مسلمة تعمل علي تطبيق الحديث الشريف الذي يقول: «أحب الأعمال إلي الله أومها وإن قلت»، والإعلام هو المؤسسة الثانية وخاصة التليفزيون الذي يجب ان يخرج بشكل جديد لرجل الدين، وأخيراً تأتي أهم مؤسسة وهي المسجد الذي يجب أن توضع مواصفات خاصة ومحددة لإمامه وخطيبه حتي يقوم المسجد بدوره الديني علي أكمل وجه، وفي النهاية لو تعاونت هذه المؤسسات وقامت الأسرة بدورها الصحيح وقاموا جميعاً علي إرساء مبدأ الرحمة سيعود الصفاء إلي الكون لذلك يجب ان تكون هذه المؤسسات علي رأس اهتمامات أولي الأمر من خلال اتخاذ قرارات سياسية تسمح بتنفيذ ذلك والعبور للمجتمع الإسلامي إلي بر الأمان.
لا طاعة لرجل لا ينفق
- القوامة للرجل أم للمرأة.. سؤال يحير كثيراً من النساء خاصة اللائي خرجن للعمل في حين جلس أزواجهن عاطلين، ما رأي فضيلتكم في هذه القضية؟
كما ذكرت فإن علاقة الرجل والمرأة هي علاقة مساواة لا تساوي، فلا تفرقة بينهما ولكن الشرع قام بتوزيع الأدوار حتي لا يتسلط الرجل بحكم تكوينه الجسدي الأقوي، لذلك كلف الرجل بالعمل الشاق والإنفاق ولكن في حالة الزوجة التي تعمل وتنفق علي زوجها وبيتها في حين يجلس زوجها عاطلاً ولا يسعي للعمل فإن الطاعة تسقط.. فأنا حين أطلب من المرأة طاعة زوجها، أطلب هذا لأن الرجل يعولها وحين يعجز عن الإنفاق عليها تصبح لا طاعة له، وإن كان عدم انفاقه بعلة خارجة عن إرادته.
- في أحد اللقاءات التليفزيونية لفضيلتكم قلت إن «الجينتل مان» هو أفضل زوج لبناتنا.. فما هي مواصفات هذا الرجل من وجهة نظرك؟
الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، والرسول في حديثه هذا لم يكتف بالدين فقط، وإنما اشترط فقط، وإنما اشترط الخلق الحسن أيضاً، والرجل «الجنتل» هو الرجل ذو الأخلاق الحميدة وما أقصده هو أن يكون «ابن أصول» لا ينسي الفضل حتي نضمن أنه سيكرم المرأة حينما يتزوجها ويعاشرها.
- هل تعمل المرأة أم لا وهل تصلي بالمسجد أم تلزم بيتها.. أمور كثيرة تشتت عقول المسلمين رغم أن ديننا الحنيف بت فيها، فَلِم إذاً الحديث عن أن المرأة تشكل قضية؟
المرأة ظلت تعلم الأجيال حتي القرن العاشر الهجري، بل إن ابن حجر العسقلاني كانت له 52 أستاذة، وكذلك تلميذه الشيخ السحاوي كانت له 56 أستاذة، وكل الأحاديث النبوية التي وصلت إلينا عن طريق صحيح الإمام البخاي لابد أن يذكر في تواترها اسم السيدة كريمة الدمشقية، كما أننا حين نتحدث عن الخط العربي لابد أن نذكر اسم «شهدة».. حتي في «غانا» المرأة كانت تخرج للصلاة في المسجد مع الرجل وكانت المرأة - ولا تزال - تعمل إلي جوار الرجل بل كانت تتقدمه أحيانا.
وبوجه عام فإن دور المرأة في المجتمع معروف منذ قديم الزمن ويكفي أن السيدة عائشة «رضي الله عنها» كانت أول من قامت بتقسيم ستار الكعبة إلي قطع صغيرة تباع وينفق ثمنها في منافع البيت، وهو أمر لم يفعله أحد حتي من علماء الإسلام في ذلك الوقت حيث كانت سترة الكعبة تدفن كل عام دون الاستفادة منها، ومع حلول القرن العاشر بدأت تتدهور أحوال المرأة وخاصة في ظل الدولة العثمانية حيث تم الفصل بين الرجل والمرأة، وأصبح هناك «سلاملك» و«حرملك» حيث عزلت المرأة بزعم أنها فتنة وشيطانة!
- في رأي فضيلتكم لماذا نعتقد دائماً أن الغرب هو صاحب الفضل في إصلاح شئون المرأة ونحن فقط من أتعسها؟!
لأن الغرب هو الذي صنع قضية المرأة بعد أن حرمها من مزاولة حقوقها السياسية، ففي الغرب كانت المرأة تعمل ضعف الوقت الذي يعمله الرجل ومع ذلك كانت تأخذ ربع أجره.. وأكثر من ذلك انها كانت تمنع من دخول الكنيسة بحجة انها شيطان بل إن ما لا يعمله الكثيرون أن التوراة وحدها هي التي قالت إن المرأة هي التي اخرجت آدم من الجنة، حيث إنه لا توجد آية واحدة في القرآن تلقي بهذه الخطيئة علي حواء وحدها.
- المحن التي تصيبنا مثل الفقر والمرض والكوارث هل هي اختبارات من الخالق أم هي عقاب علي خطايانا؟
الله تعالي يقول في سورة النحل: «وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون»، إن المحن التي تصيب الأمم هي تنبيه من الخالق للرجوع للطريق المستقيم ومنها الزلازل والفيضانات والموت وحتي ظهور الشيب في الرأس جميعها تنبيهات وانذارات إلهية تذكرنا بالنهاية وبالحقيقة وتدعونا إلي الرحمة، أما المرض فلا أقول إنه عقاب علي ذنوب ولكن يمكني القول إنه غفران للذنوب وزيادة للرجات.
بين الأعداء والأدعياء
- كيف نغسل عن ديننا عار الإرهاب ونصحح الصورة لمن يرتكبون هذه الجرائم تحت مسمي الجهاد في سبيل الله؟
الإسلام وقع بين اعدائه وادعيائه والاسلام من هؤلاء الأدعياء الجهلاء براء، نحن لم نرصد ارهابياً واحداً تخرج في معهد ديني ولم يثبت ان ارهابياً واحداً ارتاد مسجداً ليتخرج فيه ارهابياً، فالدين الذي يرفع شعار الرحمة لا يدعو ولا يقر هذه الممارسات المغلوطة.
- ارتبط اسم المفتي بالإعدام، لماذا تحال أوراق المحكوم عليهم بالإعدام لفضيلتكم ومن بالضبط الذي يصدر قرار الإعدام؟
قاضي الجنايات ومعه ثلاثة مستشارين يصدرون الحكم ولكن عندما تتعلق القضية بالدم تحال أوراقها للمفتي لينظر هل يستحق المتهم الإعدام أم لا.. وذلك حتي يطمئن القاضي إلي مشروعية حكمه كما أن رأي المفتي ليس ملزما فإن اختلف رأي المفتي مع رأي القاضي يؤخذ برأي الأخير وترفع القضية لمحكمة النقض التي إن رأت قصوراً في الدفاع تحيل ملف القضية الي دائرة اخري لتري بدورها ما تراه ثم تعيدها مرة اخري للمفتي أما إذا اتفق كل هؤلاء علي حكم الإعدام وبقي رأي المفتي مغايراً فالأمر يرفع الي رئيس الجمهورية.