مقالات شهد الكلام

كانت اكثر وفاء من زوجات كثيرات.. منحته الثقة ليتقدم.. منحته الوقت ليعمل. اغلقت فمها ولم تثرثر كباقي النساء ليفكر.. أعدت الطعام غسلت الاثواب.. غنت للصغار.. رتبت الأوراق. اختزلت المصروفات.. هي دائما في آخر قائمة المشتروات.
هي دائما على رأس قائمة التضحيات.. عملت في صمت وأحبت في صخب.. وحين يأتي المساء كانت تلقي بجسدها المنهك على فراشها وهي تحلم بيوم تتحقق فيه الأحلام.
وتبدلت الأقدار. عصا الهدايا السحرية اشعلت في دربه نجاحات كبيرة..
بذات الابتسامة الحانية قالت.. كت أعلم ان العدل لابد أن يأتي يوماً..
هدأت.. غفت قليلا.. ويوم فتحت عينيها وجدته بين ذراعي أخرى.
بعد صمت طويل.. غادرت في هدوء وهي ترتدي احد اثوابها القديمة.
صاحت بها امرأة ككل النساء.. ترحلين وتتركين كل شيء.. أي غباء؟!
بذات الابتسامة الحانية.. قالت:
عشت أعواماً مع رجل فقير مهموم مثقل بالأحلام والأعباء ولكن لن احيا يوماً مع رجل قتل نفسه.
قبل أن يسألوها.. ابتسمت قائلة:
من طعنني لم يقتلني..
من خسرني قتل نفسه!!

في إحدى ثوراته العارمة.. قال لي ذات مرة اعلن امام الله توبتي من اكبر ذنوبي!! لن يخدعني بعد اليوم أحد.. لن أمد يدي ابداً لأمسح دمعاً أو ارسم أملاً.. مللت بلاهتي.. اكتفيت أنا غدراً وجحوداً!!
لا صفح ولا منح!! سيصبح قلبي أسود اللون كلون سماء لم تشرق عليها شمس!!
وبقيت وحدي بعد رحيله افكر.. اصبح من السهل حقا ان تتبدل الملامح وتتغير الاحداث ويُزّور التاريخ.. اصبح من الممكن جدا أن ننتشي للأكاذيب طرباً ونصفق طويلاً لمن يغتالون أحلامنا.
لقد أصبح في يد كل معتوه جائزة وعلى باب كل لص نجمة شرف كبرى.
أصبح نقاء القلب ذنباً!!
رغم ذلك سيمضي العمر وتبقى الأرض حول نفسها تدور.
سيمضي العمر وتبقى الشمس رغم الأنوف ورغم المظلات ورغم نظاراتنا السوداء دوما تنير.
انحنينا نحن ام اعتدلنا.. قاتلنا أم رفعنا رايات الاستسلام البيضاء.. هناك امور لن تتغير!
قد تتغير دقات القلوب.. قد يتغير عددها.. قد تهدأ وتخبو يأساً أو تحدث ضجيجاً.. قد تنقلب مشاعرها ولكن تبقى ألوان قلوبنا لا تتغير.
هناك قلوب قدرها أن تكون بيضاء مضيئة كقطعة من نور..
يا طيب القلب.. أبداً لا تحاول!!

دخلت السيدة الشابة الى قاعة كبار المسافرين في أحد المطارات بعد ان قامت بشراء كتاب وباكيت من البسكويت
جلست على احد المقاعد الوثيرة واخرجت نظارتها الأنيقة وكتابها الذي اشترته وبدأت القراءة حتى يحين موعد قيام رحلتها
حين مدت اصابعها والتقطت قطعة البسكوت الأولي وجدت الرجل الذي يجلس خلفها يمد يده ليلتقط البسكويتة الثانية من علي طاولتهما المشتركة
كان تشعر بغيظ كبير فكلما مدت يدها لالتقاط قطعة من البسكويت اخذ هو القطعة الأخرى
وحين لم يتبق سوى قطعة واحدة أخذت تنظر إليها وهي تسأل ما تراه سيفعل؟
والتقط الرجل الذي لا تعرفه أو تراه قطعة البسكويت الأخيرة وقسمها إلى نصفين ترك لها أحدهما
نهضت الشابة الجميلة في غضب وتوجهت إلى طائرتها وهي لا تستطيع أبداً أن تنسى صفاقة الرجل وجرأته

ماذا تفعل لو جاءت طفلتك الجميلة تبكي وتشكو من ذاك الطفل الصغير الذي تعرفه منذ أعوام؟!
ماذا لو قالت لك من خلف دموعها انه صفعها وحطم لعبتها الصغيرة في قسوة؟
هل تضمها وتخبرها انك ستقيم الدنيا وتقعدها على رأسه؟
هل تعلن بعدها انك كنت تعلم انه مارد يختبئ خلف جسد طفل وأنها يجب ان تمحو اسمه من سجل ايامها وإلى الأبد؟!
هل تشكوه إلى والديه وتطلق في وجهها زئير لوعتك على دمعاتها النقية؟!
أم تراك تركض في جنون الى ذاك الوحش المفترس لترد له ما صنعه بملاكك الصغير؟
أم انت طيب القلب هادئ النبضات بارد العروق فتبتسم في وجهها قائلاً: لا تغضبي واغفري له؟!
هل تنزوي بعدها في مقعدك وتبكي حظك وحظها.. وتسأل: كيف اصبحت وحدك أنت وهي آخر يمامتين على كوكب الغاب المسمى بالأرض؟!
لا ألومك إن فعلت أيا من هذا.. بل لا ألومك لو فعلت كل هذا معا..
إن صفعوك او صفعوها.. ان طعنوك او طعنوها.. ان هجروك او هجروها.. من حقك ان تشعل حريقا وتشحذ سكيناً.. ولكن لِمَ لا تقف لحظة وتسأل: لِمَ فعلوا بك هذا؟!
قبل أن تثور.. قبل أن تصفع.. اهدأ واسأل: لم صفعوك؟!
يا صديقي..
مرايانا أحياناً تخدعنا!!

كانت جدتي - رحمها الله - تشير احيانا باصبعها الابيض الصغير الى بعض الوجوه والاسماء لتقول هامسة:
ابتعدي عنه ولا تحاولي الاقتراب، قد يؤذيك.ثم تخفض صوتها اكثر لتقول: انه كبير!
وعندما كنت اسألها عن وجوه اخرى كانت تبتسم لتقول هذا يختلف.. هناك كبير وهناك كبير!
وبقيت انا اعواماً لا أعلم من هو الكبير الذي تعنيه.. ولا أعلم كيف اعرفه عندما ألقاه؟!
هل هو ذاك الذي يكبرني في العمر.. أم هو من يكبرني في المقام.. ام انه ذاك الذي تفوق ارصدته ثرواتنا بأصفار وأرقام يمينية كثيرة!
بقيت أعواما أخرى أسأل لماذا يجب ان ابتعد عن هذا الكبير؟.. ورغم رحيل جدتي دون ان تخبرني بالحقيقة الا ان الاعوام علمتني ان هناك انصاف بشر يظنون انهم اكبر منك.. يظنون ان الله منحهم العمر والثروة والنفوذ ليخيفوك بها.
هناك كبير.. سعادته ان يلقي في قلبك الرعب ويظنه احتراما ومهابة!
علمتني الأيام أن هناك كبيراً يفوقك علما ومالا وجاها ويهب واقفا لمصافحتك ويمنحك اذنيه ليسمعك ثم يمنحك خلاصة آماله وآلامه كأنك انت اكبر منه.