مقالات شهد الكلام

هل رأيت رجلا يقود عربة بها جواد ويضربه بلا رحمة ليجبره على السير والركض؟
هل رأيت رجلا يذبح امرأة بسكين الغضب والتسلط لتعد له وجبه العشاء؟
وهل تراك رأيت رجلا يصفع صغيره في غباء لكي يكف عن الصخب واللهو؟
حتما انت رأيت كل هذا.. ومن المؤكد ايضاً أنك حزنت من أجل الجياد والنساء والأطفال..
وربما سقطت من عينيك دمعة صغيرة.
انا ايضا مثلك احزن عليهم كثيرا ولكن حزني الأكبر دوما يبقى على ذاك الرجل الذي يخبئ عجزا كبيرا خلف القسوة والحماقة..
قلبي على كل من يظن ان التجهم والقوة هما اقصر الطرق واسهل الطرق للوصول الى ما يريد..
من الممكن حقا ان تجعل جوادك اكثر طاعة.. وقطتك اكثر رعباً.. وطفلك وامرأتك اكثر هدوءا وانقيادا.
ولكن سيأتي يوم تثور فيه النساء وتزهد.. والأطفال يوما سيكبرون وعن القسوة سيرحلون.
انا حزني اكبر على ذاك الذي يبقى العمر سجين العجز والحماقة.
حزني على ذاك الذي منحته الاقدار جوادا وطفلا وامرأة فلا استمتع بهم ولا سلموا من حماقته..
حزني على قلوب بلا نبض وعروق بلا حياة..

منذ أيام رأيت احدى جاراتي وأنا في طريقي الى سيارتي.. رأيتها تخرج من بيتها المقابل لبيتي..
كانت تقف مع اطفالها حتى يأتي اتوبيس المدرسة.. واسرعت دون وعي الى وضع نظارتي السوداء علي عيني حتى لا ترى انني رأيتها.. وفي حماقة اكبر اخرجت هاتفي الصغير وتظاهرت انني اتحدث فيه عن اشياء بلهاء لا اذكر حتى ما هي..
تنفست الصعداء عندما دخلت سيارتي لألقي بالهاتف وأدير محركها لأهرب من الحديث معها أو حتى القاء التحية.. ومن مرآتي الجانبية لمحتها تتبعني!
واطفأت المحرك وسألت نفسي في ذهول.. ما الذي يحدث.. شعرت بخجل عميق وانا اتذكر قصص امي وجدتي رحمهما الله عن الجيران.
شعرت بالذنب وانا اتذكر وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيران.
لا أعلم كيف اصبحت اخاف أي علاقة جديدة وأري العزلة وحدها اكبر تعبير عن الحب والسلام..

هل تغضب؟!
هل تهدد وتثور وتتوعد؟!
وعندما تفعل ذلك.. هل يرتعد أمام وجهك ألف رجل.. وتنتفض ألف امرأة؟!
هل تبدل اماكنهم.. هل بامكانك وبقلمك الأحمر الصغير أن تمحو اسماء وتكتب اسماء؟!
هل تفعل ذلك حقاً؟!
اذا انت قوي.. لك نفوذ وفي يدك سلطة كبرى.. ولكن هل تعلم ان هناك شخصا اخر يملك ذات القلم الأحمر الصغير ولكنه يحنو ويبتسم.. يصفح ويهدهد..
يترك موكبه الكبير ويأخذ بيد امرأة عجوز ليعبر بها الطريق.
ان سقط الاعداء، ما سحقهم.
وإن أشاح الاصدقاء بوجوههم بعيدا ابداً ما لعنهم!
ان ضحكت له الاقدار ما نصب المشانق واطاح بالاعناق.
وإن ابكته الايام ابتسم في كبرياء ومضى في سكون.
يا صديقي:
قد تكون حقاً قويا، ولكن سيبقى رغم انكساره دوماً هو الأقوى

أخيرا علي نزاهتك كافئوك. وعلي اعوام الصدق والتفاني كرموك.. طردوك من العمل!
هجرتك زوجتك الجميلة وابتسم جارك هذا الصباح في شماتة واضحة...
بحثت عن اقاربك فلم تجد ايا منهم..
خابرت زملاءك فهربوا منك..
ذهبت الى صديق عمرك فغابت زوجته لحظات..
وعادت تخبرك انه نائم.. ومضيت وحدك ودخان لفائفه يملأ عينيك ورئتيك!
وفي الطريق رأيت ذاك العجوز الذي اعتاد ان يركض نحوك بثيابه الرثة..
ذاك العجوز الذي كنت دوما تتمنى ألا تراه!
وقف امامك وفتح كفه الخشن وبابتسامته الكبيرة قال: لا تحزن.. خذ.. هذا كل ماادخرت.. لا حاجة لي به الآن!
نكست رأسك أمام النهر طويلا وسألت: ما الذي تغير؟ لم فجأة جميعهم كرهوك ونبذوك؟
لم لم تجدهم وكانوا دوما ان طلبوك وجدوك؟
يا صديقي: احزن ما شئت وابك ما شئت.. سيبقى هناك يوم تخبئه لنا الأيام.. يوم تسقط فيه الأقنعة وآه من سقوطها.. ولكن سيبقى ايضا هناك قلوب لا نعرفها.. قد يمضي العمر ونحن لا نعلم ابداً خلف أي وجوه تختبئ القلوب الحانية!
يكفيك انك عرفت!

رأيته يفكر في حيرة كبرى.. كان وجهه الجميل الصغير غارقا في التركيز بعيدا عني رغم انه يجلس امامي..
وسألته فيم يفكر؟.. وأجاب كريم ابني البالغ من العمر عشرة اعوام انه يفكر في الشيء الذي يجعل حياة البشر على الأرض اسهل لأن هذا هو موضوع الواجب الذي يجب ان يسلمه الى معلمته في الغد.
وعندما ابتسمت قائلة ان الامر لا يحتاج الى كل هذه الحيرة.. قال صغيري انه يعلم ان الثراء وحده يجعل الحياة اسهل وانطلق يشرح لي في ثقة كبرى كيف تصبح حياة الفقراء بالثروة اسهل.. وحتى حياتي انا فلو كانت عندي ثروة كبيرة سأتوقف عن الصراع ورفض كل ما يطلبوه مني من احذية واجهزة وهدايا..
ختم حديثه متنهدا في حسرة قائلاً إننا لو كنا اثرياء حقا لما اضطر الى طلب العلم وانتظار العمل... وابتلعت ذعري وقلت وانا احاول ان ابتسم انني اعتقد ان الحب وحده يجعل حياة سكان الارض اجمل واسهل.