مقالات شهد الكلام

يحكى أن فلاحاً فقيراً كان يبيع الزبد مقابل السكر، وفي كل مرة يسأله البقال كم كيلو من الزبد احضرت؟ ويمنحه المقابل عددا مساويا من كيلوات السكر.
وفي ذات يوم وبعد رحيل الفلاح بسكره، خطر برأس البقال أن يزن كيلوات الزبد فوجد ان كل كيلو منحه اياه الفلاح كان يزن 900 جرام فقط.
وعند عودة الفلاح في الزيارة التالية اخبره البقال انه ابدا لن يتعامل معه لأنه لص وليس امينا! بعد لحظات قال الفلاح في ألم:
يا سيدي انا فقير ولا أملك ميزانا.. في كل مرة اضع احدي عبوات السكر التي تمنحني اياها في كفة وازن لك في الكفة الاخرى ما يماثلها من الزبد.. انت من يزن لا أنا!
إن سرقك احدهم.. ان خدعك او ظننت انه خانك قف مع نفسك لحظة واسأل هل أنت حقاً أمينا معه؟
يا صديقي للسماء عيون ولعيونها قوانين تفوق قوانين السماء اكثر دهاء من كل ما تظنه في نفسك!

وقف ابني البالغ من العمر اثنا عشر عاما أمام الكاميرا لالتقاط صورة رسمية له ووقفت ارقبه من خلفها في حنان.. وبعد انتهاء تصويره ابتسم المصور قائلا: هل تريدين التقاط صورة لكما معا؟
وفي لحظة.. نسيت ان طفلي عبر ابواب المراهقة ونسيت انه يرى نفسه رجلا لا يحتضن امه امام احد..
ركضت الى رجلي الصغير واحتضنته الى صدري في حب لا يعلمه إلا الامهات.. حب لا اظن ان احدا من الابناء على وجه الارض يدركه او يعيه.
بعد ايام وبعد استلامي للصورة أريته اياها في فرحة غامرة وانا اسأله: هل من الافضل ان اضعها على مكتبي ام في غرفة المعيشة؟
وصاح الرجل الصغير في ذعر وهو ينظر الى الصورة في غضب.. وقال في حماقة الاطفال انه سيمزقها قطعا صغيرة ان رآها احد.
أكمل بعصبية انه اصبح رجلاً والرجال لا تقف امام الكاميرات وهم بين اذرع الامهات.

أذكر أنه قبل رحيل الاعلامية السعودية الرائعة شيري حمزة شحاتة التي ستبقى ويبقى صوتها اجمل الاصوات التي عرفتها الاذاعة السعودية، انني اغلقت حقيبتي استعدادا للسفر حتى اراها وقبل سفري بأيام اخبروني برحيلها لاعيد حقيبتي الى مكانها وابقى وحيدة مع حزني عليها.
ومنذ اعوام قليلة اعددت ذات الحقيبة لالتقي الراحل عبدالله الجفري بعد ان ساءت حالته الصحية وايضا وقبل سفري بأيام.. وفي صباح اول ايام عيد الفطر المبارك اخبروني برحيله لأعيد حقيبتي واعود الى ذات الركن ابكي في صمت.
قبل اسابيع قليلة وقبل مولد العام الميلاد الجديد اغلقت حقيبتي لاذهب للقاء الرائعة ليلى حمزة شحاتة عندما علمت بسوء حالتها الصحية.. وفي صباح اليوم السابق لموعد سفري علمت انها رحلت ليلة مولد العام الجديد.
اعترف انني بكيتها كثيرا وبكيت حرماني من النظر في وجهها مرة اخيرة قبل الرحيل.
بكيت في غضب وانا اسأل لماذا تحرمني الاقدار وداع ورؤية من احبهم في ايامهم الأخيرة؟!

في طفولتي كانت أمي رحمها الله تحكي لي أن مصر والسودان كانت يوماً بلداً واحدا.
في طفولتي كنت اسألها كيف أصبحت بلدين؟!
كانت تبتسم قائلة: إنه كما اصبح لها بيت ولأختها بيت اصبح لكل منهما ارض ولكن سيبقى الجميع كما كانوا وانه رغم اختلاف الاسم ورسم الحدود ستبقى كل الشعوب العربية كل لا يتجزأ كما ستبقى هي واختها اختين رغم اختلاف العنوان والسكن.
وبقي في قلبي الإيمان.. نحن شعب واحد ولكن تسكن كل مجموعة منه أرضا ما.
وكبرت الطفلة وعلمت ان قصة أمي ككل قصص الطفولة وأن العرب ليسوا شعبا واحداً
واليوم ارقب السودان وهي في طريقها الى الانقسام ويأكلني الألم.
ما الذي يحدث.. الى متى نتجزأ.. الى متى نبقى ننفصل ونتفتت وكأن ضعفنا لا يكفي وهزائما لا تكفي وكأن تاريخنا لا يعنينا؟

أنت تسعد كثيرا بطفلك الصغير.. تنتظر دخوله الى حياتك وتنفق على لحظة مولده الكثير بل انك قد تمنح الكثير لغرباء ما فعلوا شيئا سوى ان قالوا لك <مبروك>!
تشتري له احلى الثياب وتحمله على ذراعيك في فخر وتضحك ان داعبك.. وترى ان ابتسامته لك اكبر مما تستحق وتحلم به.. وان قال اسمك.. تمنيت لو تمنحه الارض بما عليها.
انت فقط مع اطفالك تتناول بقايا اكوابهم وكأنك تشرب من احد انهار الجنة.
وتكبر انت وهم يكبرون.. وتصبح عجوزا ويهربون منك فأنت تثير حولك نظرات الاشفاق وتعليقاتك تثير الحرج وهم معذورون.. لا يريدون ان يشفق عليك او عليهم احد.
ويهرب منك الابناء وهم لا يعلمون اين يخبأوك أو أين منك يختبئون.
قد تغضب منهم وقد تشفق عليهم .. ولكن النهاية واحدة!
كنت تزهو بهم.. وهم اليوم في خجل كبير منك..
كنت تتمنى مولدهم.. وفي لحظة قد يتمنون لو ترحل..