مقالات شهد الكلام

منذ طفولتي وأنا ارقب لحظات غياب الشمس في انبهار كبير.. منذ طفولتي اهرب منها صباحا واخبئ عيني منها خلف زجاج اسود وأضع رأسي تحت مظلة أو قبعة ان رأيتها تطاردني في وقت الظهيرة.. أنا والشمس ما كنا يوما اصدقاء!
ولكن ومنذ طفولتي ايضا هناك تلك اللحظات القليلة التي اطاردها انا فيها بعيني وروحي وقلبي ورأسي.
أنا أحب الشمس وهي تغيب.. احبها عندما تهدأ وتتلون اشعتها وارقبها وهي تسقط وتختفي وفي كل مرة تفعل اتمنى لو استبقيها لحظات.
ويأتي صباح جديد وتكسو السماء كأنها تخبرني بعودتها وأهرب منها وأضع فوق رأسي مظلة وعلي عيني زجاجا اسود اختبئ منها خلفه.
هناك اشياء لا تحبها الا عندما تقرر الرحيل.
هناك اشياء تزداد بهاء وجمالا في لحظات الوداع.. وأبحث دوماً في الشطآن عن الشمس وانتظرها فقط لحظة سقوطها في زرقة الماء واتمنى لو امسكها بأصابعي واقبلها بشفاهي.
كل شيء على الأرض ان سقط، فقد جماله إلا قرص الشمس اراه يتزين ويتجمل ويرتدي احلى الوانه وهو يستعد للرحيل.
يارب.. اجعل في وجودنا وفي رحيلنا بهاء وجمالاً مثل قرص الشمس الذي تشهد رحيله ملايين القلوب في انبهار واجلال!

قال ابني البالغ من العمر اثنا عشر عاماً في خجل إنه لديه زميلة يريد دعوتها الى البيت.. وصحت أنا في فرحة كبرى:
اخيرا.. كنت تكره البنات!
وضممته الى صدري في حنان وأنا أهمس:
طبعاً.. يمكنك دعوتها!
بعد ايام قليلة سألتني اخته الكبري والتي تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً:
ماذا تقولين ان اخبرتك انني سأدعو زميلي في المدرسة الى البيت؟
وبلا وعي اجبتها:
طبعا ارفض!! وقد اقتلك ايضاً!
وفي غضب شديد صاحت:
تطيرين من السعادة لأن اخي دعا فتاة وترفضين وتقتلينني انا؟! ما الفارق؟!
سقطت في حيرة كبري وأنا لا أعلم حقا بماذا اجيب؟

مازلت اذكر كيف وقف ابني عندما كان في عامه الرابع وفي اليوم الاول لدخوله روضة الاطفال يبكي بين ذراعي رافضا ان اتركه وحده.
اذكر ايضا انه بقي شهورا بعدها يبكي غيابه عني ساعات المدرسة ويسألني كل صباح لم لا احضر له المعلمين الى البيت لنبقي دوما معا؟
وفي نهاية ذاك العام اقامت المدرسة مسرحية كان هو احد ابطالها.. وعندما خرج الى خشبة المسرح وقبل ان ينطق كلمة وقف يبحث عني بعينيه.. وعندما رآني. ارسل لي قبلة ضحك لها كل الآباء والأمهات من حولي.
وعندما انتهت المسرحية في ذاك اليوم ركض قبل اغلاق الستار مخالفا كل تعليمات معلميه ليلقي بنفسه بين ذراعي وهو يسأل ان اعجبني اداؤه وهل حقا انا فخورة به؟

على بريدي الاليكتروني احيا لحظات جميلة وانا اقرأ رسائل كل من يتابعون كلمات <شهد الكلام>!
تصلني احيانا قصائد شعرية وقصص قصيرة يسألني من نقشها المساعدة.
واقرأ السطور في حنان.. واتمنى لو كان بيدي ان افعل شيئا ولكن انا في النهاية لا املك سوى ان ادعو من قلبي لكل من كان له حلم ان يصل به الى شاطئ النجاة.
نعم اصبحت الأحلام.. كل الاحلام حتى الصغيرة منها في هذا الزمن بعيدة وصعبة المنال.
منذ ايام.. وجدت على بريدي رسالة من شخص يدعى <علي كرم>.. الرسالة حروفها بسيطة لكني شعرت بها دمعات سقطت على السطور.
الرسالة كانت تعقيبا على مقالتي <لا عناق ولا قبلات> حيث قال <علي> ان الايام حملته الى بلد بعيد عن والدته وانه يشتاقها ويشتاق تقبيلها ويتمنى لو يرتمي بين ذراعيها.

هناك قصص وروايات طويلة نمضي اياما في قراءتها وفي محاولة فهمها ثم ننساها في لحظات!
وهناك لقطات صغيرة وقصص صغيرة نقرأها في لحظات ويمضي العمر ونحن ابدا لا ننساها.
من هذه القصص قصة قرأتها لكاتب اسباني يدعي انطونيو بيريرا والقصة عنوانها ,<دون كيخوتة على شريط القطار> دون كيخوتة بطل القصة يعمل في مجال الطباعة اعواما طويلة وكل حلمه ان يرى اسمه مطبوعا على كتاب من تأليفه.
دون كيخوتة يعمل في مطبعة تطبع اسماء المؤلفين والمفكرين ويحلم ان يأتي يوم تطبع فيه تلك الآلات اسمه معهم يوما.
المؤلف انطونيو يقول ان بائعي الحلوى وصانعي الاحذية وحتى مصممي الملابس قد يأتيهم يوم يتذوقون فيه شيئاً من الحلوى التي يصنعونها او يرتدون حذاء مم يصنعون او ثيابا مما يصممون.
وحدهم المفكرون وحاملوا الاقلام قد يمضي بهم العمر ولا يأتي يوم يرون فيه اسماءهم منقوشة على اغلفة الكتب وان كانوا هم من يطبعونها.