مقالات شهد الكلام

أيام.. ويرحل عام آخر..
أيام .. ويولد عام جديد..
أنا أرى العجوز حزينا يقف بلحيته البيضاء ملوحا بالوداع.
أيام.. بعدها يرحل وأبداً لن يعود...
أراه ينظر إلينا في دهشة ونحن نتعجل رحيله..
أراه ينظر إلينا في ألم ونحن ندير له ظهورنا كأنه ما كان يوماً سيد الاحتفال!
اغمض عينيك وابحث في ذكرياتك معه..
في مكان ما ستجد ابتسامة.. ستجد نصرا وأملاً.. منحك العجوز وإن أخذ منك..
عندما يولد العام الجديد.. عندما يرقصون ويتبادلون التهاني.. عندما يطلقون الموسيقى والصواريخ النارية.. حدق جيدا وسترى عجوزا بلحية بيضاء يمضي في سكون!

عندما يأتي الليل يطعم العشاق قنديلهم بعض الزيت ثم يتسامرون على ضوئه ويتبادلون الأحاديث والهوى..
عندما يأتي الشتاء.. يضعون بين ذراعي المدفأة خشب الأشجار العتيقة لتتدفأ حولها القلوب وتؤثر الشفاه بأحاديث العشق وألاحلامه التي لا نهاية لها.
في الربيع.. يتبادلون الزهر ويخرجون الى الغابات ينقشون حروف اسمائهم على جذوع الاشجار ومياه الانهار..
في الصيف.. اراهم على الشاطئ يشيدون قلاع الرمال ويركضون خلف طائرات الورق الملونة..
حتى في أيام الفراق والسفر يكتبون الرسائل ويتبادلون الهدايا والصور..
يعزفون الألحان وتبكي اشواقهم في شجن عميق.
بكل هذا يحيا الحب.. بكل هذا يحيا العشاق قصص هواهم.. إلا أنا وأنت..
أنا وأنت لنا في الهوى قصة أخرى..

على بريدي الالكتروني ارسل لي صديق اطلق على نفسه (خالد 01) رسالة.. كان يتحدث فيها عن مقال سابق نشر لي تحت عنوان (البديل).. ثم اهداني قصيدة من تأليفه بعنوان (كن والدي).
القصيدة رائعة.. كلماتها الرقيقة تتحدث عن طفلة تخاطب رجلا لتطلب منه ان يشد على كفها ويمنحها الحب الذي يمنحه الأب لصغيرته بعد ان فقدت والدتها.. طفلة تبحث عن البديل..
قرأت القصيدة مرات عديدة واعترف بأنها اصابتني بالحيرة والألم ودقت في رأسي ناقوسا كبيراً.
ماذا تفعل القلوب ان فقدت قلوبا تحبها.. ماذا يبقى لها حقا سوى البحث عن البديل.
اليتيم.. يبحث عن صدر أم غير التي رحلت وعن كف أب غير ذاك الذي مضى.
الوحيد الحائر.. يبحث عن صديق غير الذي تخلى ورحل دون عودة.
بل إن الرجل والمرأة في بعض الأحيان تدفعهم القسوة وطول الحرمان إلى البحث عن البدائل.

منذ أصدر الشيخ عبدالمحسن العبيكان فتواه والنساء حولي تتحدث.
الشيخ العبيكان قال إن من حق الزوجة أن تضرب زوجها إن ضربها.. العبيكان قال إن من حقها ان تشهر في وجهه سلاحاً إن فعل هو ذلك معها.
بعض النساء بالفتوى سعيدات.. وبعض النساء لا تصدق انها حقاً لها الحق في ضرب رجل يضربها.
ما يؤلمني أننا مازلنا حتى اللحظة نظن ان من حق الرجل أن يضرب زوجته.
لا أصدق أبداً اننا نقرأ القرآن وندرس الأحاديث النبوية الشريفة ومازلنا نجهل انه ليس أبداً من حق رجل ان يضرب امرأة.
مازلنا لا نعلم ان رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم ضرب زوجته كان ذاك بمسواك رقيق لا يؤذي حتى طفلاً رضيعاً.

كنت أنا وأحد أصدقائي نثرثر كعادتنا في أمور كثيرة وكان هو كعادته هادئاً هانئاً يشيع المرح ويحيل كل جملة إلى ابتسامة.
كان كعادته ساخراً من كل شيء على كوكب الأرض.. وفجأة سألته مم تخاف؟
وحين نظر إلى عيني في دهشة.. عدت اسأله بهدوء أكبر: ما الذي يخيفك؟
بعد لحظات من التفكير قال: لا شيء حقاً.
أرخيت أنا عيني.. وقلت في صدق:
أنا أخاف أشياء كثيرة.. أخاف الظلم والظلام.. أخاف الوحدة.. أخاف رحيل الأصدقاء.. أخاف المجهول.
في مرارة ابتسم وقال:
إن سكنك الخوف في الظلام والوحدة فلن تعرفي ابداً كيف تبحثين عن شمعة او تجدين كف صديق.
هناك امور لا يجب أن نخافها لأننا نملك تغييرها..
وهناك أمور نقف أمامها كأقزام الغابة المسحورة.. ما فائدة لخوف معها سوى المزيد من الألم!
الخوف هو الظلام الحقيقي.. الخوف قتل شعوباً. فما عساه يصنع بقلب رقيق؟!
ومضيت ومضي صديقي.. وبعد تفكير حائر طويل علمت أنه على حق.
إن كان الخوف أحد اقدارنا فلنعلم ان استسلامنا وحده يؤخر تحررنا منه!