قالوا عن نور

لا أحد منا يمكنه ان يستغني عن الحلم.. ذلك الساحر الذى يحيل الظلمة الى النور واليأس الى أمل والاندحار الى انتصار ولكن ماذا يحدث حين يمتنع علينا الحلم ويرفض ان يأتي؟
هذا هو مفتاح الرواية الخامسة للكاتبة السعودية المبدعة نور عبد المجيد التي تنطلق من ارضية مختلفة تماما هذه المرة وتدخل بها ارضا مزروعة بالألغام في مواجهة رؤية نقدية تؤكد ان الوقت مازال مبكرا للمعالجة الدرامية للثورة المصرية.
رغم ذلك.. غامرت (نور) – العاشقة لمصر – ودخلت تجربة (أحلام ممنوعة) بجرأة ربما بدافع الحب لهذه الأرض التي عاشت بين اهلها سنوات طويلة واصبحت بمشاعرها وحبها لهم واحدة منهم وايضا بدافع امتلاكها لرؤية شفافة لأصل الداء وحقيقة الدواء.
فكل ما قهر المصريين سنوات وسنوات هو غياب الحلم والاستسلام لليأس وكل ما قهر الطاغية في ثورة 25 يناير هو امتلاك الشباب لحلم رائع وعفي وشفاف بأن ثورتهم ستقهر دولة الظلم وديكتاتورية حاكم مستبد.


لذلك نجح الشباب ومعهم كل الشعب في الرد على من كان يتهمهم بالسطحية والغياب عن الوعي بفعل التجريف الثقافي والقيمي وبفعل ادمان المخدرات وعدم الانتماء والسطحية, وأكد الشباب بالفعل انه احد معجزات السلالة الفرعونية التي لا تفنى والتي قال عنها هيرودوت (انها كالعنقاء التي تحترق ثم تنهض حية من تحت الرماد).
في الرواية التي اصدرتها مكتبة الدار العربية للكتاب استوعبت نور دوامة الاحداث التي مرت بها مصر بعبقرية ثم نأت بنفسها عن فخ التقريرية والسرد التاريخى المجرد وهضمت وقائع الثورة لتعيد انتاجها من خلال نص درامى درات احداثه في منطقة صفط اللبن السياحية التي تربض قرب الأهرامات وفي حارة اختارت لها المؤلفة اسم (حارة الرحمة) التي احتوت مجتمعا مدهشا لا يعرف الرحمة انتج بقسوته ما عرف خلال الثورة بموقعة الجمل حين ارسل سربا من الخيل والجمال والحمير على ظهورها رجال اشداء تسلحوا بالسيوف والسنج وكل ما طالته ايديهم من اسلحة واتجهوا الى ميدان التحرير لسحل وقتل الثوار.
والغريب ان سكان (حارة الرحمة) التي دارت وقائع النص الدرامي للرواية بين جدرانها صورة ميكروفيلم للتكوين النفسي الذى انتجه عصر مبارك للمجتمع المصرى فمنهم العاهرة التائبة (لوزة) التي استشهدت.. ومنهم المرأة المكافحة التي تكسب قوت يومها من الخدمة بالبيوت.
في لحظة شعرت نجية برياح سوداء تجتاح صدرها وروحها.. الرئيس كان يكذب.. لا يريد ان يموت.. رجال الشرطة ومنهم مراد الذي غسلت له ثيابا واعدت له الوانا من الطعام خرجوا على جمال وجياد ليقتلوا وداد ومحمود ورشا.. هم لا يؤتمنون ابدا.. هم لا يصدقون ابداً.
تراجيديا الهروب
تستمر نور في سرد وقائع موقعة الجمل:
الجياد والجمال لم تعتد ابدا ان تتحرك وسط هذه الكتل البشرية هناك جياد رآها بعينيه تسقط من يركبها من ذعرها وخوفها.. شباب كثيرون رآهم يسقطون قتلى, وانتفض قلبه وهو يذكر وداد.. هل يفقدها؟ هل تموت؟ انه حتى لا يملك لحظة يحادثها فيها.
وعاد ينظر حوله لا يصدق هناك متظاهرون يلقون باجسادهم على المأجورين غير مبالين بضربات ما يحملون من اسلحة.. وتحسس جيبه مازال في سلاحه رصاصة اخيرة.. لكنه لا يريد ان يطلقها الا في اقصى ضرورة تواجهه.. يشعر بانه يختزنها من اجل لحظة لا اختيار فيها.
وركض مراد يحارب وهو سعيد انها المرة الاولى التي يضرب فيها من يستحق ويهاجم من يحاول ان يشيع الذعر والموت بين افراد شعب خرج يطالب بالحياة.
وتتحدث الرواية عن محمود الهارب من تراجيديا حياته فى مصر الى السعودية وقد قرر العودة لاحضان امه كان جبانا.. هرب وهو يعلم انه مظلوم لا هو غرر بنجية ولا خان زوجها يوما.. مرزوق الحلوجي مصري والمصريون جميعهم افاقوا.
سيعود ويعلن انه يحب مصر ويحب صفط ويحب سكانها ويحب نجية ولم يهو يوما امرأة سواها, ان سألته لماذا تركها.. ان سألته لماذا تخلى عنها, ان سألته ماذا كان ذنبها وما خطيئتها؟ سيقول انه تركها ليتعلم كيف يحافظ عليها.. سيخبرها بأنه تخلى عنها مرة ليعود ويدافع عنها بروحه ألف مرة.
مصر هي صفط اللبن.. هي نجية اخرى.. لا ذنب لها ولا خطيئة في وجهها الذى تشوه.. وملامحها التي سقطت في القبح والفساد.
وتنهي نور عبد المجيد روايتها بأبيات من قصيدة الشاعر امل دنقل (لا تصالح) التي تقول:
أترى حين افقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى؟
هى اشياء لا تشترى!
(أحلام ممنوعة) صدرت فى 344 صفحة عن مكتبة الدار العربية للكتاب بالقاهرة وهى الدار التي سبق ان اصدرت لها روايتها الثالثة (رغم الفراق).

عصام الغازى