قالوا عن نور

لماذا يخيّل إليكَ وأنتَ تقرأ رواية نور عبد المجيد أنها تبدأ في الربع الأخير، حين تتسارع الأحداث ويموج السرد بوقعها؟

صورة الغلاف من ميدان التحرير في القاهرة، تجد جوابها في هذا الجزء من الرواية، وأنتَ تنتظر أن تصل إليه بعدما تكهّنتَ من الغلاف أنّ الرواية ستتطرق إلى الثورة. طال الإنتظار قليلاً وكأنّ المؤلفة كانت تراكم الأحداث ببطء يذكّركَ بثقل الأيام على الشعب وبالبطء الذي كانت تمرّ به، لتزيد وقع العذاب على كل مواطن.

أين الرواية من الصورة؟ ستتساءل مراراً حتى تصل إلى 25 يناير.

 

ليست رواية "أحلام ممنوعة" (مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة 2012) الرواية التي تسبق غيرها في الحديث عن الثورة، إنها الرواية التي تصف لماذا بدأت الثورة كأنها انفجرت فجأة، بعدما ضاقت بالناس حدود الصبر. إنها بمراكمة جملة من الحوادث التي وقعت لشخصياتها توحي بأنّ الثورة تأخرت حتى، تأخرت حتى عانى كل مواطن ما يفوق احتماله.

تحاول نور عبد المجيد أن تبالغ في إنزال المصائب بشخصياتها كأنها تريد الإيحاء أنّ هذا أقل من الواقع، ومبالغتها التي تساءلنا عن سببها مراراً، كانت لتعلمنا أنّ هذا عيّنة مما هو أكبر بكثير.

تتقاطع مصائر شخصياتها بتدبير مقصود منها، لتعرف كل واحدة الذل أو المجد،التفوق أو الإخفاق، وهي مجتمعة في حلقة واحدة، كحبات العقد جنباً إلى جنب، ولكل منها مكانه الذي يشغل فراغاً في هذا الحبل الطويل، الذي يبدو أنه صفّ طويل من المواطنين بمشاربهم وطبقاتهم المختلفة، يؤلفون شعباً انقسم طرفين أو غريمين على حد تعبير مراد ضابط الشرطة الحالم بالعدل.

لذا عندما تخبرنا عن الإنحرافات العديدة التي يقوم بها محمود مرافقاً خميس رفيق السوء، وعن سقوط لوزة في فخ الدعارة لتطبّب أختها وعن ألف سقطة وزلة تقع فيها الشخصيات، فإنما لتحضّرنا بعد برهة لنكتشف العهر السياسي والأخلاقي متمثلاً بسيدة المجتمع "ميمي هانم" وبزوجها المعروف، حيث تكدست كل تلك الثروات عند أمثالهم من استخدام أمثال لوزة ومحمود في "أعمالهم"، ومجملها دعارة ورشى و"سرقات" مغطاة بهالة من الحشمة. هكذا تكتشف لوزة عندما تتعرف إلى دعارة الشقق، وهي غير التقاط الرجال من الشارع "أنّ الشعب نصفان: النصف الأول من الوزراء ورجال الأعمال مثلها هي ويمنى وصديقاتها، والنصف الآخر إما لتسهيل أعمالهم أو الإنقياد خلفهم" بالمختصر الشعب كله مستعبد بألف طريقة وطريقة.

هنا البعض مسحوق لأنّ لحمه نهشته الذئاب الجائعة وهو يحاول تغيير مصيره بأن يبيع نفسه أكثر فأكثر، والبعض الآخر مسحوق لأنه عاجز عن تغيير قدره، فكرامته ممتهنة بالحرمان والركض وراء اللقمة الحلال. وحدها وداد تضيء مثل نجمة برغم فقرها. اختارتها المؤلفة رمزاً للشابة الجميلة الذكية التي تفكر بعقل وتتطلع إلى المستقبل وتحاول تغيير مصيرها بالعلم، وليتنا لا نزال مقتنعين أنّ العلم يرتقي بالإنسان اجتماعياً، هذه الأيام.

ومع هذا..فوداد مقتنعة وستتابع طريقها كجلّ شبابنا الذي لا يحسن البيع والشراء.

وداد أيضاً رمز الشباب المتفوق والفقير الذي لا يجد سنداً حتى في الجامعة أحياناً، فكراسي الأساتذة تكاد تنتقل هي الأخرى بالوراثة من الآباء إلى أبنائهم الذين لا يمتازون عن زملائهم بشيء، إلا بنفوذ آبائهم. لذا اكتسى السرد نبرة عاطفية وخطابية وهي تسرد أحاسيس شخصياتها في الميدان. ونقل شيئاً من معاناة شخصية لكل من كان في مصر في تلك الفترة، وكيف غضب من انقطاع الاتصالات أو خاف من الرعاع الهاربين من السجون. ولعل أجمل مقاطع هذا الجزء خبر العجوز الذي حزن على وفاة حفيد الرئيس وكان معه في حرب اكتوبر، فحمل لافتة تعزية ووقف أمام القصر الجمهوري معزياً، فيما نال قسطاً من الإهانة والضرب عندما حمل لافتة ثانية بعد سنة، كتب عليها"أنقذ حفيدك الآخر من الموت" علّ الرئيس يستدعيه ويفهم منه أنّ حفيده هو أيضاً أصيب بالسرطان ويحتاج إلى علاج ويمنّ عليه بمساعدة. ففُهم من لافتته أنها تهديد للحفيد الآخر للرئيس.

منذ متى يحلم أمثال وداد ومراد ولوزة بالتغيير؟ منذ زمن. الثورة جمعت المثقف والعامل و"العاهرة" غصباً عنها والبريئة، جمعت الشعب، ولكن هل تحقق الحلم؟

يبدو حيث انقطع السرد أنّ الحلم تحقق وأنّ الأغلال التي كانت تكبل أحلام الشباب قد تحطمت، ومع هذا لا يمكن ألا نرى أنّ عنوان الرواية "أحلام ممنوعة، لا يزال صالحاً حتى الآن.

مي باسيل